الجزء 1: اكتشاف مستوطنة ضخمة من ما قبل التاريخ في سوس : دراسة لتقرير الباحثين “ميكائيل وسيباستيان هوبنر”

هل عُثر على أتلانتس المفقودة في سوس؟

مقدمة:

في واحدة من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة للجدل والاهتمام في منطقة شمال إفريقيا، يقدم الباحثان الألمانيان “ميكائيل هوبنر” و”سيباستيان هوبنر” في تقريرهما الشامل (النسخة السادسة، فبراير 2012) أدلة ميدانية وبحثية قاطعة على وجود مستوطنة حضرية ضخمة تعود لعصور ما قبل التاريخ (العصرين الميزوليتي والنيوليتي) في جنوب غرب المغرب. المستوطنة المكتشفة لا تمثل مجرد قرية بدائية صغيرة، بل تقترب في حجمها وتنظيمها الهندسي من مفهوم “المدينة الأولى” أو المركز الحضري الإقليمي، وهو ما يغير الكثير من المفاهيم السائدة حول الكثافة السكانية والتطور الاجتماعي في المغرب القديم خلال بدايات العصر الهولوسيني.

1. الموقع والجغرافيا الاستراتيجية (بنية تاغراغرا الحلقية)

تتميز المستوطنة بموقع جيومورفولوجي فريد ومثير للدهشة؛ حيث تقع على بعد 8 كيلومترات فقط شرق مدينة أكادير الحالية، وتحديداً في منطقة تُعرف محلياً باسم “تاغراغرا”.

  • التكوين الطبيعي: تشغل المستوطنة بنية جيولوجية دائرية الشكل تشبه الفوهة أو “الكالديرا” (تكونت طبيعياً نتيجة طية محدبة Anticline وليس بفعل بركاني أو نيزكي). يبلغ قطر هذه البنية الدائرية حوالي 3 إلى 5 كم.
  • الارتفاع والتضاريس: ترتفع التلة المركزية للموقع حوالي 325 متراً فوق مستوى سطح البحر، ويفصلها وادٍ دائري طبيعي بعمق 100 متر عن سلسلة التلال الخارجية المحيطة بها، مما منحها حصانة طبيعية مذهلة.
  • الموقع الاستراتيجي: تم اختيار الموقع بعناية فائقة من قِبل إنسان ما قبل التاريخ، حيث يبعد 13 كم عن ساحل المحيط الأطلسي، و5 كم فقط شمال نهر سوس، وحوالي كيلومترين عن سفوح جبال الأطلس الكبير الغربية، مما وفر للمستوطنين تنوعاً بيئياً هائلاً (بحري، نهري، وسهلي).

2. العمارة والمنشآت الحجرية المكتشفة (هندسة معمارية مذهلة)

رصد الباحثون خلال بعثاتهم الميدانية الثلاث (بين عامي 2008 و2011) مئات الهياكل المعمارية المبنية من الحجر الجيري الأبيض والوردي والحجر الرملي المتوفر في البيئة المحيطة، وتتميز هذه المباني بخصائص هندسية متقدمة:

  • أسلوب البناء المتين: تتكون جدران المباني من صفين أو ثلاثة صفوف متوازية من الحجارة الضخمة، ويتراوح سمك الجدران بين 120 إلى 260 سم، وهي جدران صلبة للغاية صمدت لآلاف السنين.
  • المخططات الأرضية: تنوعت الأشكال المعمارية بين البيضاوية والدائرية والمنحنية، مع وجود هياكل مثلثة ونادراً ما تكون مستطيلة (ويُعتقد أن المستطيلة أحدث عهداً بنيت فوق أنقاض قديمة).
  • مظاهر القِدَم الطاغية: الحجارة متآكلة بشدة بفعل العوامل الجوية، ومغطاة بطبقات سميكة وضخمة من نبات “الأشنة” (Lichens) (وصل قطر بعضها إلى 38 سم)، كما تنمو بداخل وسط هذه الأنقاض أشجار أركان معمرة وقديمة جداً، مما يؤكد قدم هذه المنشآت.

أبرز المجمعات المعمارية داخل الموقع:

  1. مجمع الدائرة الحجرية (Stone Circle Complex): مجمع ضخم يقع في قلب التلة المركزية، يبلغ طوله 130 متراً وعرضه 110 أمتار، ويتوسطه هيكل دائري بقطر 50 متراً يحتوي على أحجار ضخمة (Megaliths) تحيط بنصب عمودي قائم (Menhir) يبلغ طوله 3 أمتار، وهو نمط شبيه بالدوائر الحجرية الشهيرة في أوروبا وبريطانيا.
  2. المجمع المثلث الضخم (Triangular Complex): جدار حجري عملاق مبني على شكل مثلث متساوي الساقين يمتد لمسافة تقارب 760 متراً وبسمك جدار يصل إلى 260 سم. هذا النمط المعماري يشابه المدافن والهياكل النيوليتية المكتشفة في شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية (مثل حرة خيبر).
  3. المبنى البيضاوي (Oval Building): مبنى مستقل بارز في الناحية الشمالية الشرقية أبعاده 30×18 متراً، ويمتاز بجدرانه السميكة (160 سم) وارتفاعه المتبقي الذي يصل إلى 1.5 متر.
  4. نظام الصهاريج والكهوف (Caverns & Cisterns): تم إحصاء أكثر من 500 حفرة وكهف منحوتة بدقة في الصخر الجيري. تنقسم إلى نوعين: صهاريج مفتوحة تشبه الأحواض ومسقوفة بألواح حجرية، وصهاريج عميقة تشبه “الجرة” ذات عنق ضيق ومطلي بطبقة من الجير من الداخل لمنع تسرب المياه، مما يدل على وجود نظام متطور لإدارة وحصاد المياه.
  5. الطريق الدائري العريض (The Circular Broad Way): يحيط بالتلة المركزية طريق ممهد عريض يمتد لمسافة 9 كيلومترات، ويتراوح عرضه بين 6 إلى 9 أمتار، ومحاط في بعض أجزائه بجدار ترابي وحجري. يعتقد الباحثون أنه كان يُستخدم كطريق موكب، أو قناة مائية، أو نظام دفاعي وهندسي للمستوطنة.

3. المكتشفات الأثرية واللقى السطحية

نظراً للقيود القانونية وعدم القيام بأعمال حفر وتنقيب عميقة، اعتمد الباحثون على “المسح السطحي” وتوثيق القطع الأثرية المتناثرة، والتي أسفرت عن نتائج مذهلة:

  • فخار الخطوط المتموجة المحززة (Incised Wavy Line Pottery): تم العثور على كسر فخارية تعود لوعاء أثري يحتوي على أدوات صوانية. هذا النوع من الفخار يرتبط تاريخياً ببدايات العصر الهولوسيني (حوالي 8000 قبل الميلاد) وكان معروفاً في حزام الصحراء الكبرى، والساحل، وحوض النيل. ويمثل هذا الاكتشاف في أكادير أقصى امتداد غربي مكتشف لهذا الفخار في العالم، مما يثبت وجود روابط ثقافية وتجارية ممتدة عبر الصحراء في العصور السحيقة.
  • الأدوات الحجرية النيوليتية: عثر الباحثون على كميات هائلة من الفؤوس الحجرية المصقولة، والمكاشف الصوانية، ورؤوس السهام، وأدوات الميكروليت (الأدوات الدقيقة) المصنوعة من الصوان والريوليت، والتي يعود تاريخها إلى الفترة ما بين 4000 و6000 سنة مضت، وبعضها يمتد للعصر الميزوليتي (أقدم من 6000 سنة).
  • الفنون الصخرية: توثيق موقع يحتوي على نقوش صخرية قديمة (Rock Carvings) منحوتة على الصخور داخل البنية الحلقية.

4. التدمير الكارثي للموقع (صرخة استغاثة أثرية)

يفجر البحث قضية بيئية وأثرية مأساوية؛ حيث يتعرض هذا الموقع التاريخي النادر لعملية إبادة ومحو كامل لمعالمه بسبب أنشطة البناء المحلية الصاخبة.

  • استغلال الموقع كمقلاع للحجارة: تقوم شركات البناء المحلية بجرف الموقع واستخدام آلياتها الثقيلة لاقتلاع الألواح الحجرية الأثرية الضخمة وطحنها لاستخدامها في أعمال البناء وتعبيد الطرق.
  • حجم الدمار: رصد الباحثون خروج ما بين 10 إلى 15 شاحنة محملة بالحجارة الأثرية يومياً. ويُقدر التقرير أنه في الفترة ما بين سبتمبر 2008 وفبراير 2012، تم نهب واقتلاع ما يقارب 15,000 شاحنة من الحجارة التاريخية.
  • النتائج الكارثية: أدى هذا النشاط الصناعي غير المنظم إلى التدمير والمحو الكامل لمجمع الدائرة الحجرية التاريخي (Stone Circle Complex) والعديد من المباني الدائرية والأنفاق التي لم تعد موجودة اليوم سوى في الصور والتوثيق الذي قام به الباحثون.

5. الاستنتاجات والتوصيات النهائية للبحث

يخلص الباحثان “ميكائيل وسيباستيان هوبنر” إلى مجموعة من التوصيات الحازمة:

  1. الموقع يمثل وحدة جغرافية وبنية حضرية متكاملة فريدة من نوعها في شمال إفريقيا تغطي مساحة لا تقل عن 20 كم².
  2. غياب المعادن تماماً في المكتشفات السطحية، وتطابق الفخار والأدوات الحجرية، يثبت قطيعة الموقع وعودته الزمنية الخالصة للعصرين الميزوليتي والنيوليتي (العصر الحجري الحديث).
  3. يوجه الباحثان نداءً عاجلاً للسلطات المغربية، والمنظمات الدولية (وعلى رأسها اليونسكو)، والمجتمع الأثري العالمي للتدخل الفوري لوقف تدمير الموقع، واقترحا إدراجه بشكل عاجل ضمن “قائمة التراث العالمي المعرض للخطر الشديد” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث الإنساني الاستثنائي.

#سوس #أطلانتيست_المفقودة

#الملك_اطلس

أضف تعليقك

التعليقات