تُعد منطقة سوس في المغرب الأقصى مهدًا لابتكار عسكري فريد غيّر موازين القوى في الغرب الإسلامي، وهي “الدروق اللمطية”. لم تكن هذه الدروع مجرد أداة دفاعية، بل كانت سلاحًا استراتيجيًا ميز جيوش المرابطين، وصناعةً سوسية خالصة بلغت شهرتها الآفاق.
نول لمطة: الحاضرة السوسية وقلب الصناعة
في قلب بلاد السوس الأقصى، وعلى بُعد ثلاث مراحل من وادي السوس، قامت مدينة “نول لمطة” العريقة. هذه المدينة التي وصفها المؤرخون بأنها إحدى مدن الإسلام الكبرى في أول الصحراء، كانت الموطن الرئيسي لقبائل لمطة ولمتونة. في هذه الحاضرة السوسية، نشأت ترسانة عسكرية متكاملة، حيث برع أهلها في صناعة الأسلحة، الرماح، والسروج، لكن تظل “الدرق اللمطية” هي درة إنتاجهم.
حيوان “اللمط”: مادة الصنع الأسطورية
يعود السر في قوة هذه الدروع إلى جلود حيوان “اللمط” الذي يتواجد في المناطق المتاخمة لبلاد السودان بجنوب المغرب. ويُروى في عجائب خلقه أنه حيوان يشبه الظباء، أبيض اللون، وجلده من القوة بحيث “لا يعمل فيه الحديد أصلاً، وإن ضرب بالسيوف نسبت عنه” أي انزلقت ولم تقطعه.
أسرار الدباغة السوسية: سنة من المعالجة
لم يكن الجلد وحده سر الحصانة، بل مهارة الصانع السوسي الذي أوجد طرقاً فريدة في المعالجة. فقد جاء في المصادر التاريخية أن هذه الجلود كانت:
- تُدبغ في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام.
- تستمر عملية الدباغة والمعالجة سنة كاملة لضمان صلابتها.
- تُصنع بعناية فائقة لتجمع بين الصلابة وبين “خفة المحمل”، مما يمنح الفارس رشاقة في القتال وحصانة لا تُخترق.
القيمة العسكرية والاقتصادية
بسبب ندرة هذه الدروع وقوتها، كانت بضاعة نفيسة يتسابق عليها قادة الجيوش. وقد وثقت المصادر قيمتها العالية في ذلك العصر:
- ذكر ابن عبد المنعم الحميري في “الروض المعطار” أن الدرع الواحد كان “يباع بخمسين ديناراً”.
- أكد ياقوت الحموي في “معجم البلدان” أن ثمن الجيد منها يصل إلى “ثلاثين ديناراً مومنية”، وأن قطر الدرقة يبلغ نحو عشرة أشبار.
- وصفها الإدريسي في “نزهة المشتاق” بأنه “لا شيء أبدع منها ولا أصلب منها ظهراً”، وبها كانت تقاتل جيوش المغرب لحصانتها العالية.
لقد ظلت الدروق اللمطية السوسية شاهدة على عبقرية الصانع في منطقة سوس، وكيف استطاع تحويل موارد بيئته إلى عتاد عسكري صمد أمام أعتى الجيوش، لتبقى “نول لمطة” في ذاكرة التاريخ كأهم مراكز الصناعات الحربية في الغرب الإسلامي.
المصادر المعتمدة:
- ابن عبد المنعم الحميري، كتاب “الروض المعطار في خبر الأقطار”.
- الإدريسي، كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.
- ياقوت الحموي، كتاب “معجم البلدان”.
- القزويني، كتاب “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”.
أضف تعليقك
التعليقات