تُعد شخصية مزدانة الأسواري إحدى أهم الشخصيات الأمازيغية التي ورد ذكرها في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر، حيث يُقدَّم في عدد من الكتب العربية القديمة بوصفه ملكًا للسوس خلال مرحلة الفتوحات الإسلامية للمغرب الأقصى. ورغم قلة التفاصيل التي وصلتنا حول حياته ودولته، فإن الإشارات التي تذكره تؤكد وجود كيان سياسي سوسي محلي منظم في تلك الفترة، عُرف لاحقًا بـ مملكة مزدانة.
الموقع والسياق التاريخي
تقع منطقة السوس جنوب المغرب، بين الأطلس الكبير ووادي درعة، وقد كانت خلال القرون الأولى للهجرة منطقة ذات استقلال نسبي، تتميز بتنظيمات قبلية قوية وزعماء محليين لهم تأثير سياسي وعسكري واسع. وفي هذا السياق يظهر اسم مزدانة الأسواري كزعيم بارز قاد السوس في مواجهة الجيوش الأموية القادمة نحو الجنوب.
مزدانة الأسواري: ملك السوس
تصفه المصادر بوضوح بصفته “ملك السوس”، وهي دلالة على وجود كيان سياسي محلي يتمتع ببنية قيادية واضحة. وتشير الروايات إلى أنه لم يكن مجرد قائد قبيلة، بل كان يحكم مع جيش منظّم يعرف بـ أهل الديوان، وهو تعبير يدل على وجود شكل من الإدارة أو التنظيم العسكري يشبه ما كان موجودًا في بعض المناطق الأمازيغية المتقدمة في تلك الفترة.
وتذكر النصوص أن مزدانة الأسواري خرج بجيش قوامه خمسة آلاف مقاتل للتصدي للحملة الأموية بقيادة مروان بن موسى بن نصير، في واحدة من أقدم المواجهات العسكرية المعروفة في السوس بين الأمازيغ والقوات الأموية.
ذكره في المصادر التاريخية
1. ابن قتيبة الدينوري — كتاب الإمامة والسياسة
ورد ذكره صراحة في سياق وصف حملة مروان نحو السوس، حيث يقول ابن قتيبة:
«وملك السوس يومئذ مزدانة الأسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان…»
(الإمامة والسياسة، ج2، ص82)
يُظهر هذا الاقتباس عدة حقائق مهمة:
- أن مزدانة كان يُعترف به كـ ملك،
- أن السوس كانت منطقة ذات استقلال سياسي،
- وأنه كانت له قوة عسكرية نظامية.
**2. ابن عذاري المراكشي — البيان المغرب
يذكر ابن عذاري اسم مزدانة ضمن قائمة من الزعماء الأمازيغ الكبار في تلك الفترة، إلى جانب شخصيات مشهورة مثل كسيلة بن لمزم و الكاهنة، قائلًا:
«… ومزدانة ملك السوس …»
(البيان المغرب، ج1، ص45)
إدراجه ضمن كبار زعماء الأمازيغ يعكس مكانته وتأثيره السياسي في سوس.
3. كتاب الأنساب لابن عبد الحليم
يظهر اسمه أيضًا في سياق ذكر الزعامات الأمازيغية، مما يعزز حضوره في الذاكرة التاريخية لذلك العصر:
«… ومزدانة ملك السوس، وملك ميورقة ومنورقة، ومن أولاد الكاهنة…»
(كتاب الأنساب، ص45)
الدور السياسي والعسكري
تشير الإشارات المتوافرة إلى أن مملكة مزدانة كانت جزءًا من شبكة زعامات أمازيغية قاومت التوسع الأموي في القرن الأول والثاني للهجرة، إلى جانب شخصيات كبرى في التاريخ العسكري للمغرب. كما يبدو أن هذه المملكة كانت تتمتع بنظام شبه إداري، ما يفسر وصف الجيش بـ «أهل الديوان».
ورغم محدودية المعلومات، فإن وجود مزدانة ضمن قوائم الزعماء السياسيين الأمازيغ في المصادر الثلاثة يجعل منه إحدى الشخصيات المؤثرة في تاريخ سوس المبكر، ويعطي لمملكة مزدانة حضورًا تاريخيًا يستحق الإضاءة.
أهمية شخصية مزدانة في تاريخ سوس
تمثل شخصية مزدانة الأسواري جانبًا مهمًّا من تاريخ سوس القديم، حيث تعكس:
- وجود ممالك محلية أمازيغية منظمة قبل رسوخ الدولة المغربية لاحقًا،
- قدرة الأمازيغ على تنظيم قواهم العسكرية والإدارية،
- تفاعل السوس مع الأحداث الكبرى للفتوحات الإسلامية،
- وظهور زعماء محليين لعبوا دورًا مهمًا في مقاومة التوسع الأموي.
ورغم ندرة التفاصيل، فإنّ ما توفر من المصادر يكفي لتأكيد أن مزدانة كان فاعلًا حقيقيًا في تاريخ الجنوب المغربي خلال تلك الحقبة.
المصادر
- ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، الجزء الثاني، ص82.
- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، الجزء الأول، ص45.
- ابن عبد الحليم، كتاب الأنساب، ص45.
أضف تعليقك
التعليقات