تعتبر اتحادية كنفيسة واحدة من أهم التكتلات القبلية التاريخية في منطقة “السوس الأقصى” بالمغرب. وقد لعبت هذه الاتحادية دوراً محورياً في التاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، خاصة خلال العصر الموحدي، حيث ارتبطت أسماء قبائلها بنشأة الدولة الموحدية وحركتها الإصلاحية.


أولاً: كنفيسة في التقسيم القبلي السوسي

تُصنف المصادر التاريخية الكبرى، وعلى رأسها ابن خلدون، قبيلة كنفيسة كجزء لا يتجزأ من النسيج القبلي لمنطقة سوس، واضعة إياها إلى جانب قبائل كبرى مثل كزولة وصناكة.

النص المصدري (تاريخ ابن خلدون): “ذكر كزولة وكنفيسة وصناكة من قبائل سوس… يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وكنفيسة وصناكة وغيرهم، وسار يتعدى المنازل ويستنفر القبائل وهو بتارودنت فوجدها قفراً إلا قليلاً من…”


ثانياً: التركيبة الداخلية (الفروع والأفخاذ)

تتميز كنفيسة بتشعب فروعها، حيث أورد المؤرخون تفصيلاً دقيقاً لأفخاذها التي بلغت اثنين وعشرين فخذاً، مما يدل على ضخامة هذه الاتحادية واتساع نطاقها البشري.

النص المصدري (البيدق – أخبار المهدي بن تومرت): “قد أورد البيدق أسماء فروعها وأفخاذها، فقال عن كنفيسة في سياق سرده لقبائل الموحدين: كنفيسة أكرمهم الله، لهم من الأفخاذ اثنان وعشرون فخذاً، أولهم زداغة… إيدوزداغ، ومنتاكة… أهل تكوكا… بنو مصطاوك… إيسكساون… إيمدلاون… إيسمكان… مسكينة أو مسكينن معاً.”


ثالثاً: قبيلة هرغة وثقلها في الاتحادية

تعد قبيلة هرغة من أبرز مكونات اتحادية كنفيسة، وتكتسب أهمية استثنائية لكونها القبيلة التي ينتمي إليها “المهدي بن تومرت” مؤسس الدولة الموحدية. وتؤكد المصادر أن موطنها الأصلي يقع في عمق السوس الأقصى.

النص المصدري (الحلل الموشية): “أصله من هرغة من بلاد السوس الأقصى هو بلاد ماسة؛ وهو على يمين القبلة من جبل درن إلى أن يتصل بالصحراء… وصعد ابن تومرت جبل درن، وتوجه إلى بلده هرغة من السوس الأقصى فاجتمع إليه أناس من قبيلته وغيرهم.”


رابعاً: النطاق الجغرافي والمدن المرتبطة

يمتد المجال الجغرافي لاتحادية كنفيسة ليشمل مناطق حيوية في السوس الأقصى، حيث ارتبطت بمدن تاريخية كبرى مثل “أغمات” و”أريكة” و”تندلي”، وهي مناطق كانت تمثل مراكز حضارية واقتصادية هامة.

النص المصدري (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم – للمقدسي): “وأما السوس الأقصى فقصبتها طريفانة ومن مدنها أغمات ويلا وريكة تندلي وملسة وغيرهن… وذكر المقدسي أن قصبة السوس هي طريفانة ومن مدنها أغسات ويلا وريكة تندلي ماسة وغيرهن.”


خامساً: جبل نفيس وأصل التسمية

يرتبط اسم “كنفيسة” جغرافياً واشتقاقياً بـ “جبل نفيس” الواقع في منطقة سوس، والذي وصفه الجغرافيون بأنه منطقة غنية بالموارد الطبيعية والزراعية، وموطن للعديد من العمائر والقبائل المنسوبة إليه.

النص المصدري (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار): “ومن السوس نفيس الجبل، وهي مدينة صغيرة حولها عمارات وطوائف من قبائلها المنسوبين إليها، وبها الحنطة والفواكه ما لا يوجد في غيرها كثرة، وبها جامع وسوق نافقة وبها من الزبيب ما لا نظير له منظراً وحلاوة وكثرة وغلظاً.”


سادساً: التداخل القبلي (هنتاتة وقبائل سوس)

تشير التحقيقات النسبية إلى وجود تداخل وثيق بين قبائل كبرى مثل “هنتاتة” وبين قبائل سوس، مما يعزز فكرة التحالفات الكبرى داخل اتحادية كنفيسة وما جاورها.

النص المصدري (المطماطي): “ونجد أيضاً النسابة الشهير المطماطي نسب هنتاتة إلى قبائل السوس… فولي أول هذا البيت عبد الواحد هو عبد الواحد بن أبي حفص عمر بن عبد الواحد أحد أصحاب المهدي وقبيلهم هنتاتة وعدّهم سابق بن سليمان النسابة من عداد قبائل السوس.”


خاتمة

إن اتحادية كنفيسة لم تكن مجرد تجمع قبلي، بل كانت كياناً جغرافياً وبشرياً صاغ تاريخ السوس الأقصى والمغرب الكبير، مستندة إلى ثقلها العددي (أفخاذها الـ 22) وعمقها المجالي (من جبل نفيس إلى أغمات) ورمزيتها السياسية (قبيلة هرغة والمهدي بن تومرت).

أضف تعليقك

التعليقات